محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )

679

أخبار القضاة

أخبرني أبو العيناء قال : حدّثني أبو يعقوب بن سليمان بن أبي جعفر قال : دخل ابن أبي داود على المأمون يوما فقال : ما أكلت يا أحمد ؟ قال : أكلت خبزا ولبنا ، قال : سبحان اللّه رجل مرطوب مشرب حمرة رقيق الجلدة يأكل اللبن ؟ ترياق يا غلام ! فأتى به فأكثر له منه ، ثم قال لغلامه : اذهب به فأضجعه وألق عليه المطارف ، فإذا ارفض عرقا فأتني به . حدّثني موسى بن جعفر - أخو نفس الكاتب - قال : كان أحمد بن أبي داود - حين ولي المعتصم الخلافة - عادى الأفشين وحرض عليه المعتصم وكان جسورا مقداما لا يبالي ما يصنع ، فلم يزل يخبر المعتصم بأن الأفشين على دين المجوسية وأنه كاتب المرزبان حتى عصى ، وأنه . . . وأنه . . . حتى أوغر قلب المعتصم على الأفشين ، وهم به بعد أخذ المرزبان ، فجمع بينه وبينه . وأخبرني موسى بن جعفر - أخو نفس - قال : كنت حاضرا والمعتصم خلف سوق الأفشين ، وابن أبي داود والقواد حضور ، فأقيم المرزبان فضرب بالسياط بين يدي الأفشين ، قال : فرأيت المرزبان يصيح آب - يطلب الماء - فلم يسق ، فسمعت المعتصم يقول : يا كفار يطلب رجل في هذه الحال الماء فلا يسقى ! فسقوه الماء فلم يكن إلا ساعة حتى مات . ونوظر الأفشين ، فقال المعتصم : هاتوا احتجوا عليه ، فقال ابن أبي داود : كاتب المرزبان يا أمير المؤمنين . فقال الأفشين : أنتم قلتم لي كاتبه وأطعمه فإنك ملك وهو ملك ففعلت . قال ابن أبي داود : هو يعبد الأصنام وهو أغلف ، وأخرج من خزائنه تماثيل . فقال الأفشين : هذه سماجات يلعب بها كما يلعب العجم ، قال : فأخرج ابن أبي داود حقة فيها سم من خزائنه ، ودعا برجل فاستحلفه أنه أمره أن يسم المعتصم . فحلف الرجل ؛ فاستحل المعتصم دمه وقتله . قال : وكان سبب العداوة بين ابن أبي داود وبين الأفشين : أن الأفشين أراد قتل أبي دلف - القاسم بن عيسى - فاستجار بابن أبي داود ، فجاء إلى الأفشين برسالة من المعتصم : يقول لك أمير المؤمنين قد بلغني أنك تريد أن تحدث على القاسم بن عيسى حادثة . وو الله لئن فعلت لأقتلنك . ولم يكن المعتصم أرسله ولا قال له شيئا . فرهب الأفشين أن يقتل أبا دلف وجاء ابن أبي داود إلى المعتصم فقال : يا أمير المؤمنين ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ليس الكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرا ونما خيرا » وقد أديت عنك رسالة أحييت بها أهل بيت من المسلمين ، وكففت بها أسياف خلق من العرب . بلغني أن الأفشين همّ بقتل القاسم بن عيسى ، فأديت عنك إليه كذا وكذا ، فحقنت دم الرجل ، ونعشت عياله ، وكففت غضبان عجلان ومن تبعها أن تغضب له ، ويشق عليك منها ما تغتم به ، والرجل في يديك . فقال المعتصم : قد أحسنت . ووجه إلى القاسم بن عيسى فخلصه من يده وأطلقه . فوجه الأفشين إلى ابن أبي داود : لا تأتني ولا تقربني ! فقال للرسول : تؤدي عني كما أديت إلي ؟ قال : نعم ، فقال له : قل له : ما آتيك تعززا من ذلة ولا تكثرا من قلة ، وإنما رفعتك دولة فإن جئتك فلها وإن قعدت فعنك .